طلب أبو بكر الإقالة دليل بطلان خلافته.
قال الحلي: وقال -ابو بكر-: أقيلوني فلست بخيركم! فإن كانت إمامته حقا، كانت استقالته منها معصية، وإن كانت باطلة، لزم الطعن”.
[اسم الکتاب : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة المؤلف : العلامة الحلي الجزء : 1 صفحة : 99].
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
أولا: كما يقال ثبت العرش ثم انقش، إذ أن هذا لم يصح قط عن الصديق رضي الله عنه.
فقد روي في فضائل الصحابة للامام احمد : ” 101 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ قثنا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ، فَبَايَعَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، قَامَ ثَلَاثًا يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَقَلْتُكُمْ بَيْعَتَكُمْ، هَلْ مِنْ كَارِهٍ؟ قَالَ: فَيَقُومُ عَلِيٌّ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا نُقِيلُكَ، وَلَا نَسْتَقِيلُكَ أَبَدًا، قَدَّمَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَمَنْ ذَا يُؤَخِّرُكَ ؟ .قال المحقق في الهامش
( 101 ) اسناده ضعيف لانقطاعه , ابو الجحاف لم يلق ابا بكر ولا عليا … ”
[فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل – تحقيق وصي الله بن محمد عباس – ص 131] .
وفيه أيضا : ” 133 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ سَنْدُولَا قثنا تَلِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَوْفٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَغْلَقَ بَابَهُ ثَلَاثًا، يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيلُونِي بَيْعَتَكُمْ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ عَلِيٌّ: لَا نُقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ، قَدَّمَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ ذَا يُؤَخِّرُكَ؟ .قال المحقق ( 133 ) اسناده ضعيف جدا لاجل تليد فانه متروك متهم بالكذب…”
[ فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل – تحقيق وصي الله بن محمد عباس – ص 151 ].
وهذه اقوال علماء الجرح والتعديل في تليد بن سليمان :قال الامام النسائي : ” 91 – تليد بن سُلَيْمَان ضَعِيف ”
الضعفاء والمتروكون.
[ احمد بن علي بن شعيب – ص 26ـ] .
وقال الامام ابن الجوزي : ” 594 – تليد بن سُلَيْمَان أَبُو إِدْرِيس الْمحَاربي الْكُوفِي حدث عَن عبد الْملك بن عُمَيْر روى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ أَحْمد وَيحيى كَانَ كذابا وَقَالَ يحيى فِي رِوَايَة لَيْسَ بِشَيْء كَانَ يشْتم عُثْمَان أَو أحدا من الصَّحَابَة فَهُوَ دجال وَقَالَ أَبُو دَاوُد رَافِضِي خَبِيث وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ضَعِيف ”
[الضعفاء والمتروكون – ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – ج 1 ص 155 ].
وقال الامام الذهبي : ” 1017 – ت تليد بن سُلَيْمَان الْكُوفِي مَشْهُور قَالَ ابو دَاوُد رَافِضِي خَبِيث وَقَالَ النسائي والدارقطني ضَعِيف وَقَالَ ابْن معِين كَذَّاب ”
[المغني في الضعفاء – محمد بن احمد الذهبي – ج 1 ص 118 ].
قال الحافظ ابن حجر: «حَدِيثُ: “أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: أَقِيلُونِي مِنْ الْخِلَافَةِ”، رَوَاهُ أَبُو الْخَيْرِ الطَّالَقَانِيُّ فِي السُّنَّةِ، مِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ مُنْكَرٌ مَتْنًا، ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ سَنَدًا»
[«التلخيص الحبير ط العلمية» (4/ 128)].
وعليه فهذا الأثر مكذوب ولا يصح عن أبي بكر رضي الله عنه.
ثانيا: طلب الإقالة لو صح عن أبي بكر لكان دليلا على عدم طمعه وحبه للرياسة والإمامة بل إن الناس قد أجبروه على قبولها، ولذلك في نفس الرواية قال له عَلِيٌّ: لَا نُقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ، قَدَّمَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ ذَا يُؤَخِّرُكَ؟»
«فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل» (1/ 151)]
فلم يفهم من أبي بكر أنه لا يصلح للخلافة كما فهم الشيعة .وعليه فطلب الإقالة ليس حراما ولا هو دليل على أن صاحبه لا يصلح للإمامة بل قد يكون هذا زهدا وتواضعا، وخوفا من عدم القيام بحقوقها، وكفى بهذا مدحا لصاحبه، ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وَأَمَّا قَوْلُهُ: ” إِنْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ حَقًّا كَانَتِ اسْتِقَالَتُهُ مِنْهَا مَعْصِيَةً “.فَيُقَالُ: إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَوْنَهَا حَقًّا إِمَّا بِمَعْنَى كَوْنِهَا جَائِزَةً، وَالْجَائِزُ يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى كَوْنِهَا وَاجِبَةً إِذَا لَمْ يُوَلُّوا غَيْرَهُ، وَلَمْ يُقِيلُوهُ. وَأَمَّا إِذَا أَقَالُوهُ وَوَلَّوْا غَيْرَهُ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ.وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَعْقِدُ بَيْعًا أَوْ إِجَارَةً، وَيَكُونُ الْعَقْدُ حَقًّا، ثُمَّ يَطْلُبُ الْإِقَالَةَ وَهُوَ لِتَوَاضُعِهِ وَثِقَلِ الْحِمْلِ عَلَيْهِ قَدْ يَطْلُبُ الْإِقَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ، وَتَوَاضُعُ الْإِنْسَانِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ”.
[ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ٤٦٩/٥].
هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تواضعا : “لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ”
[البخاري، صحيح البخاري، ١٥٩/٤].
قال ابن قتيبة «وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: “لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُس” طَرِيقِ التَّوَاضُعِ.وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “وُلِّيتُكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ”.وَخَصَّ يُونُسَ لِأَنَّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَعِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ. يُرِيدُ فَإِذَا كُنْتُ لَا أُحِبُّ أَنْ أُفَضَّلَ عَلَى يُونُسَ، فَكَيْفَ غَيْرُهُ، مِمَّنْ هُوَ فَوْقه”
[«تأويل مختلف الحديث» (ص182)].
وعليه فالتخريج الصحيح إنما هو للتواضع لا غير ذلك .
ثالثا : لئن كان طلب الإقالة دليل بطلان الخلافة أو الإمامة فقد طلب الإقالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.قال الشريف الرضي : ” ومن كلام له (عليه السلام) لمّا أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان دَعُوني وَالْتَمِسُوا غَيْرِي ; فإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ; لاَ تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ ، وَإِنَّ الافَاقَ قَدْ أَغَامَتْ ، وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنِّي إنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ; وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً! ”
[نهج البلاغة – الشريف الرضي – ج 1 ص 181 – 182].
وقال أيضا في نهج البلاغة : ” ومن كلام له عليه السلام كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة : وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ، وَلاَ فِي الْوِلاَيَةِ إِرْبَةٌ ، وَلكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا ”
[نهج البلاغة – الشريف الرضي – ج 2 ص 184 ].
وفي نص ثالث قال: “وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الابِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِىءَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ ”
[نهج البلاغة – الشريف الرضي – ج 2 ص 222 ].
فهذا علي بايعه الناس على الإمامة وهو رفضها بل وأمرهم بمبايعة غيره، (دعوني والتمسوا غيري) ووعد بأنه سيسمع ويطيع لمن يوليه الناس الأمر، وبناء على تأثيرات الشيعة السابقة نقول: إن من يعتذر عن تولي الإمامة فليس بإمام. ومن هذا الباب أيضا ما ذكروه عن السجاد أنه كان يقول في دعائه: “وَأَنَا الَّذِي أَفْنَتِ الذُّنُوبُ عُمُرَهُ، وَ أَنَا الَّذِي بِجَهْلِهِ عَصَاكَ”.
[اسم الکتاب : الصحيفة السجادية – ط الهادی المؤلف : ترجمه غرویان، محسن؛ ابراهیمیفر، عبدالجواد الجزء : 1 صفحة : 78].
إن حملتم هذا على حقيقته كما هي معاملتكم للصديق فقد سقطت عدالة السجاد فضلا عن إمامته، وإن حملتم ذلك على التواضع فقد مدحتم الصديق والحمد لله رب العالمين.
مواضيع شبيهة
قول الشيعة أن لأبي بكر سنة تشريعية كالنبي صلي الله عليه وسلم.